الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

133

نفحات القرآن

والمراد من « رحمة اللَّه » هنا هو المطر الواهب للحياة الذي يعتبر نموذجاً حياً وبيِّناً للرحمة الإلهيّة التي تتجلّى آثارها في كل مكان ، فهو يحيي الأرض الميتة ويفيض بالحياة على القلوب الميّتة ويهب النشاط والحياة للهواء الملوّث الميِّت وأخيراً يجود بنور الحياة على جسم الإنسان . واستعمال كلمة « ذلك » في الآية للإشارة إلى اللَّه تعالى في حين أنّه يستعمل للإشارة إلى البعيد للدلالة على عظمة مقامه وعلى أنّه لا تدركه العقول والأبصار . والإِتيانُ ب « أنّ » التي تفيد التوكيد و « اللام » في « لَمُحيي » الذي يفيد التوكيد أيضاً بالإضافة إلى « الجملة الإسمية » التي تفيد التوكيد كذلك ، كل هذا من أجل إثبات حقيقة إنّ الذي يحيي الأرض الميتة عن طريق إنزال مطرِ رحمتِهِ باستمرار بإمكانه أن يُحييَ أمواتَ البشر وبعيدَ لهم الحياة من جديد . واستعمال كلمة « انظر » تجلب الانتباه من جهة أنّها تشير إلى أنّ مسألة المعاد أمرٌ حسيّ مشاهد ، ظاهرٌ للعيان دائماً ، فكيف تُنكرون ذلك أو تتخذونه سخريّاً ؟ ! وفي الآية الرابعة بعد أنْ ذكر المراحل التكاملية للنطفة في الرحم وبعد ذِكْرِ تطوراتِ الجنين بانّها دليل واضح على مسألة إمكان المعاد ، ينتقل إلى الحديث عن بذورِ النباتات التي تنمو في أعماق الأرض ، قال تعالى : « وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً » « 1 » . « فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الَماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوجٍ بَهِيجٍ » . إنّ القرآن المجيد كتاب عجيب حقاً ، فإنّه عندما يريد أن يؤكّد على احدى الحقائق ويرسخها في الأذهان ويكرر ذكرها يصورها بألوان مختلفة ، فيشعر الإنسان عند سماع تلك

--> ( 1 ) « هامدة » من مادة « همود » قال الراغب في المفردات : الهمود في الأصل بمعنى انطفاء النار ( وذهاب حرارتها ونورها ) ، لكنّ عدداً من أصحاب اللغة والمفسرين ذكروا لها معاني أخرى أيضاً ، ومن جملة معانيها : الجفاف ، والسكوت ، والموت ، وصيرورة الشئ بالياً عتيقاً ، وهذه المعاني جميعها يمكن أن تنطبق على هذه الآية ، فالأرض تموت وتخمد وتطفأ في فصل الشتاء ، بينما تدبّ الروح فيها وتأخذ بالحركة في فصل الربيع وكأنّها تصرخ !